رمز الخبر: ۱۱۲۹
تأريخ النشر: 19 May 2014 - 11:53
يظهر بين الفينة والأخرى وينتشر في فضاءات الكون مصطلح المحرقة النازية.. وما تَعَرَّض له اليهود في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي, وتستخدم الصهيونية هذا الحدث وتقوم بتوظيفه بما يخدم مشروعها الاستعماري الاستيطاني على أنقاض شعب كامل على أرضه , حيث ترى هذه الدولة الغاصبة أن من حقها أن تفعل ما تراه ويحلو لها دون رقيب أو حسيب موظِّفَة كل إمكاناتها في شتى بقاع الأرض لترسيخ هذه المفاهيم وكأنها أشياء مقدسة خارج نطاق البشر..
أحمد رمضان لافي
مقدمة:
يظهر بين الفينة والأخرى وينتشر في فضاءات الكون مصطلح المحرقة النازية.. وما تَعَرَّض له اليهود في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي, وتستخدم الصهيونية هذا الحدث وتقوم بتوظيفه بما يخدم مشروعها الاستعماري الاستيطاني على أنقاض شعب كامل على أرضه , حيث ترى هذه الدولة الغاصبة أن من حقها أن تفعل ما تراه ويحلو لها دون رقيب أو حسيب موظِّفَة كل إمكاناتها في شتى بقاع الأرض لترسيخ هذه المفاهيم وكأنها أشياء مقدسة خارج نطاق البشر.. ولكن ما يُلْفِت الانتباه هو أن ترى من العرب والمسلمون بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص من يؤمن بهذه القصص والأحاديث الخزعبلاتية المُبَرمَجَة الآتية والمصنوعة بفعل حضارات غربية تتداخل فيها إشكاليات اجتماعية سوسيولوجية وتاريخية وحضارية وثقافية واقتصادية وسياسية وعقائدية لها علاقة بعلاقة اليهود بالآخرين من الشعوب . حتى لو من باب الفعل السياسي فإنه لا يجوز أن نعترف بوجود ما تُسَميه الصهيونية بالمحرقة .. لأننا أولاً لسنا مسؤولين عنها فيما لو حدثت ,, ثانياً فالأَوْلَىْ أن نُوَظِّفْ نَكْبَتَنَا التى تُشَكِّل أكبر جريمة انسانية وأخلاقية وسياسية وقانونية في العصر الحديث , كما قامت الصهيونية ومازالت بتحميل كل البشرية تلك الحدوثة,, علماً بأن الدولة الصهيونية مارست وما تزال بحق الشعب الفلسطيني أبشع المجازر البشرية في التاريخ وعدد المجازر التي قامت بها ضد الشعب الفلسطيني لا حصر لها في الكم والكيف حتى الوقت الحاضر, ومن هنا.. ارتأينا أن نقرأ لكم ما تناوله الراحل الدكتور "عبدالوهاب المسيري " المتخصص في الصهيونية في كتابه : " الصهيونية والنازية .. ونهاية التاريخ" , والذى أبحر لأكثر من ثلاثون عاماً يتعمق في هذا الموضوع للوصول والوقوف على الحقيقة , لعل البعض لم يقرأ ولم يسمع ما النتائج التي توصل إليها هذا الفارس العربي المصري من حقائق منها ما هو مُتَعَلِّق بمصداقية الحدث ومنها ما هو أسبابه .. ويرى المسيري أن هناك الكثير من الإشكاليات التى أُثيرت حول مفهوم الإبادة النازية لليهود في أوروبا, حيث اللغط التى شاب هذا المصطلح من خلال التشابك والتداخل بين ظاهرة الإبادة والعلاقة بينها وبين التشكيل الحضاري الغربي بشكل عام والألماني بشكل خاص, حيث يُشير المسيري في شرحِه لمصطلح الإبادة على أنها متعددة ومتشابكة وكُلُ تفسيرٍ لَهُ بُعد ,, حيث جاء مصطلح الإبادة في الخطاب السياسي الغربي على أنه محاولة النازيين للتخلص من اليهود من خلال حرقهم بالأفران.. بينما يُشار إلى الإبادة في الخطاب اليهودي على أنها "هولوكوست", وهى كلمة يونانية تَعْنِى حرق القُربان بالكامل وتُتَرجم إلى العبرية بـ " شَوَاْهْ" وتعهدت الصهيونية إلى انتشار هذا المصطلح للتأكيد على قدسية القربان المقدم للرب وفى هذا تشبيه بأن الشعب اليهودي هو بحد ذاته قربان مُقَدَّمْ للرب وتم حرقهُ لأنه أكثر الشعوب قداسة من غيره. إلا أن هناك مصطلح آخر يُرَدِدَهُ اليهود وهو" حُرْبَاْن" وهى كلمة تعنى هدم الهيكل أو بيت الإله , وفى تفسير ذلك بالنظرة اليهودية هو أن الشعب اليهودي يمثل الهيكل وبذلك يأخذ المصطلح بُعْدَاً دينياً وعقائدياً ضد المسألة اليهودية بشكلٍ عام. إلا أن المسيري يرى هناك أبعاداً أُخرى حضارية وثقافية واجتماعية في أوروبا بشكل عام وفى ألمانيا بشكل خاص ترتكز عليها هذه الرواية .
هذا وسوف نتناول فصول الكتاب بشيءٍ من التحليل والشرح في المقالات القادمة لتبيان مصداقية هذا الحدث, والأسباب المتشابكة التى أدت لها والنتائج التى ترتبت عليها.

في القسم السابق كنا قد تناولنا الموضوع بشكلٍ عام وقضية الإبادة بشكلٍ خاص على أن نستمر بشرح مضمون الكتاب بشيءٍ من التمحيص, وفى هذا المجال سنتناول شرح الفصل الأول من الكتاب ,وفيه يشرح قضية الإبادة والمصطلحات المرتبطة بها في سياقها الحضاري الغربي بشكلٍ عام والألماني بشكلٍ خاص, حيث يرى أن مصطلح الإبادة بعموميته يُطْلَق على القضاء على شعب قضاء كاملاً .. أما في الخطاب الحضاري الغربي فيمكن القول بأنه محاولة النازيين التخلص من الجماعات اليهودية في ألمانيا والغرب عن طريق تصفيتهم جسدياً, ويرى الكاتب بأن مصطلح الإبادة لم يقتصر على التصفية الجسدية بل يَضُم في طياته التهجير الترانسفير والسخرة والتجويع وأخيراً التصفية الجسدية.. وهذا هو الأقرب للراوية.
كما رصد الكاتب أن التحولات الاقتصادية والسياسة لعبت دوراً هاماً في موضوع الإبادة ضد اليهود في أوروبا بشكلٍ عام وألمانيا بشكل خاصٍ. إلاَّ أن تَبَنٍّى ألمانيا النازية الإبادة كوسيلة لحل بعض الإشكاليات التى واجهتها كان له دوافع أُخرى حضارية وثقافية ونفسية.. وقد نبع هذا المفهوم في أوروبا ونظرتهم للأقليات منذ عصر النهضة حيث لم يوجد أي إطار قانونى أو أخلاقي للتعامل مع الإثنيات أو الأقليات وخاصة اليهودية فانتشرت النظرة الدونية الأوروبية لما هو غير مسيحي . وفى هذا الإطار اعتبرت الكنيسة الكاثوليكية اليهود بأنها جماعة شاهدة على عظمة وانتصارات الكنيسة. وجعلت من اليهود جماعة وظيفية فقط .. كذلك استخدم الإقطاع هذه الجماعة كوسيط لمص دماء المجتمع من خلال اللعب كوسيط بين المجتمع وبين طبقة الاقطاع من خلال امتصاص فائض القيمة من الجماهير ومن هنا كان العداء المجتمعي لليهود أيضا. ولم يختلف الوضع بعد عصر النهضة حيث جاءت البروتستانتية .. وجعلت من اليهود أداة لعودة المسيح مرة أخرى وهذا مشروط بعودة اليهود الى أرض الميعاد وفى ذلك فقد استخدمت البروتستانتية اليهود كجماعة وظيفية ولكن بشكل عقائدى كما استخدمتها الكنيسة الكاثوليكية كشعب شاهد, وعلى هذا الأساس تعامل الغرب مع اليهود على أنهم جماعة نفعية اقتصادياً أو عقائدياً.. وتم تقسيم اليهود بشكل هرمى فأعلى الهرم اليهود ذوا المنفعة العالية وهذه الفئة لها كامل الحقوق وأما من هو في الأدنى فيجب التخلص منه. كما يرى الكاتب أن الغرب بعد عصر النهضة وباتساع رقعة التفكير والفلسفة في كل شيء حتى على الانسان نفسه باعتباره كائنا يختلف عن الطبيعة له طبيعته وله قوانينه وله معياريته وبذلك فقد مركزيته الإنسانية حتى وجد نفسه كالآلة مادى مُجَرَّدْ من كل مواصفات الإنسان وتَجَرَّدْ من المصطلحات الدالة على الإنسانية أو البشرية, ومن هنا تحولت الإنسانية الغربية إلى "سوبرمن" بمعنى إمبرياليون يتحكمون في كل البشر والطبيعة , وإلى "سبمن" وهم دون البشر يكونوا أداتيين يُذْعِنُوْن للإرادة الامبريالية, وبعد تقسيم اليهود إلى نفعيين وغير نفعيين فكان الفائض من الغير النفعي لابد من التَخَلُّص منه إما بالترانسفير أو الإبادة, ويُبْحِر الكاتب في هذا المجال ويوضح بأن هذه الثقافة أضحت ثقافة لمعظم شعوب أوروبا المتنفذة وذلك بعد تحويل الانسان إلى مادة توظيف فقط,, ولم تكتفى بالشعوب والأقليات التى تعيش في أوروبا بل تعدت هذه الثقافة المحيطات والبحار والحدود القارية للكرة الأرضية ,,فكانت من أهم تلك المظاهر نقل "البيوريتانز" وهم الساخطين سياسيا ودينيا في أوروبا إلى أمريكا المكتشفة حديثا حينئذ ,, كما نقلت الفاشلين والمُجْرِمِين أيضا .. وتَبِعَتهَا عمليات ترانسفير بهدف خِدمِة الإنسان الغربي فقط ومن ذلك تم نقل الأفارقة مُكَبَلِيْن بالحديد للعمل كعبيد , وتحويلهم إلى مادة استعمالية رخيصة, كما نقلت جيوش غربية للسيطرة على ما يمكن السيطرة عليه من أراضي الدول الأفريقية والأسيوية المتخلفة من وجهة نظر أوروبا.. كما تم نقل العديد من اليونان الى تركيا وبالعكس خاصة بعد الحرب العالمية الاولى,, ونقلت ألمانيا أكثر من 31 مليون من غير الأمان واستبدلتهم بألمان في أوروبا الشرقية...وهناك الأمثلة كثيرة في ترسيخ مفهوم الترانسفير التى قامت بها الثقافة الغربية بما يخدم مصالحها, وارتكز النازيين الألمان في إبعاد اليهود وترحيلهم ونقلهم على هذه الثقافة التى أصبحت جزءا من حياة الغربيين. وقد كانت هذه الثقافة مُكَوِّن أساسي لمرحلة أخرى وهى الإبادة حيث استشعر "البيوريتانز" أنهم مستوطنين لأرض بلا شعب ضد سكان البلاد الاصليين .. ولذلك فهي تُعَدْ أُولى الأيدولوجيات الإمبريالية الإبادية وبكل الأحوال فقد اعتبر النازيون أن نظامهم النازي وممارساته الإبادية هى ثمرة من ثمار الثقافة الغربية التى تكونت وتبلورت من خلال التشكيل الحضاري الغربي , ولم تكن ألمانيا فقط تعيش هذه الثقافة وحدها, حتى أعداء النازية مارسوها وتمنوا أن يفعلوها,, فهذا "تشرشل" رئيس وزراء بريطانيا يقول أنه كان ينوى تجويع الألمان وتدمير المدن الألمانية وحرقها وحرق غاباتها , وحتى اليهود أنفسهم كانوا يطالبون بهذا, فكتاب اليهودي "فلاديمير جابوتنسكى" عام 1934 كان يُنَادى بتدمير ألمانيا حيث يقول : " لابد من تدمير ألمانيا فالشعب الألماني بأسره هو عدو لنا" , أما الكاتب اليهودي " تيودور كاوفمان" في كتابه " لابد من إبادة ألمانيا" هو أكثر المواقف تُحَرِّض على إبادة ألمانيا ولعل النازيين استفادوا من هذا التحريض وجعلوه مبرراً لما فعلوه باليهود واعتبروهم السباقين لهذا,, فكان لكل ما سبق بمثابة تشكيل هوية ثقافية خاصة بالألمان وكيفية التعامل مع الغير ومن أولويات الغير كانوا اليهود لدرجة أن أحد الألمان ويدعى " ولهلم مار" في كتابه " انتصار اليهودية على الألمان " بين الهيمنة اليهودية على الاقتصاد والثقافة, كما أسس جماعة أعداء اليهود. وعندما سيطر الحزب النازي على مقاليد الحكم في ألمانيا اعتبر الحزب اليهود قطاعات غير نافعة بل وضار ة بألمانيا , فَهُمْ من وجهة نظر الحزب سبب هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وإذلالها واعتبر الحزب أيضا الماسونية والماركسية هي مُجَرَّدَّ حِيَلْ لليهود للسيطرة على ألمانيا ولذلك قرر الحزب التخلص منهم وليجعلوا المجال الألماني خالٍ من اليهود كعرق مُضِرْ .. ولِيُطَهِرُوا بذلك ألمانيا من نَجَسِهِمْ وليحافظوا على العِرق الجيرمانى الأصيل الذى سيحكم العالم فبدأ هتلر بترحيل آلاف اليهود إلى بولندا وغيرها, ناهيك عن الموروث الاقتصادي اليهودي الذى تحكم في حركة المال في ألمانيا والذى نتج عنه فجوة كبيرة من العداء الشعبي أيضا الألماني لليهود على أثر ذلك.





الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: