رمز الخبر: ۱۱۱۸
تأريخ النشر: 05 May 2014 - 09:45
عادل الأسطة
ترمي هذه الدراسة إلى الوقوف أمام أهم الكتب التي تناولت شعر المقاومة الفلسطينية، وذلك لتبيان كيفية تعامل النقد الأدبي في العالم العربي مع هذا الشعر.

عادل الأسطة


ترمي هذه الدراسة إلى الوقوف أمام أهم الكتب التي تناولت شعر المقاومة الفلسطينية، وذلك لتبيان كيفية تعامل النقد الأدبي في العالم العربي مع هذا الشعر.

ولا يبغي الدارس الإتيان على كل ما كتب في هذا الشأن من كتب ودراسات ومقالات، فهذا أمر يحتاج إلى مدة زمنية أطول مما أتيح للدارس الذي كتب هذه الدراسة للمشاركة في مؤتمر " ثقافة المقاومة " الذي تعقده جامعة فيلادلفيا في الأردن في نيسان من العام 2005.
وربما يعكف طالب دراسات عليا على كل ما كتب لينجز رسالة ماجستير أو رسالة دكتوراة في الموضوع، وليقدم لنا دراسة موسعة تتلوها قائمة، بالمصادر والمراجع، شاملة تعطي صورة كاملة عما أنجز من كتابة حول شعر المقاومة.
وكان أمامي، وأنا أنجز هذه الدراسة، غير طريقة. الأولى أن أقف أمام هذه الكتب حسب تاريخ صدورها، لأبين أهمية كل منها وما الذي أتى به صاحبها، وماذا أضاف لما سبق، وبم اختلف عن غيره ممن سبقوه. والثانية أن أدرج ما تشابه من هذه الدراسات في فصل خاص، أميزه عن غيره، وذلك اعتماداً على المنهج الذي سار عليه الدارسون أو اعتماداً على تثمين هذا الشعر أو التقليل من شأنه. ولقد آثرت الطريقة الأولى، دون إغفال الثانية التي أتت في سياق الكتابة، إذ غالباً ما كنت أشير إلى منهج صاحب الدراسة وتشابهه مع غيره أو اختلافه عنه.
ولا أنكر، وأنا أكتب الدراسة، أن دارسين آخرين، ممن عالجت كتبهم، قد أتوا على الدراسات هذه وقيموها سلباً وإيجاباً، مبدين رأيهم في اختلاف دراستهم عنها، وهو ما يبدو، على سبيل المثال، فيما كتبه صالح أبو إصبع وعز الدين المناصرة. غير أن ما أكتبه له فضل التوسع والتصنيف وتناول دراسات أخرى لم تتناول أو أغفل ذكرها. وكما ذكرت فدراستي هذه لا تدعي الإحاطة والشمول، إنها لبنة قد تتبعها لبنات أخرى تثري الموضوع.
 

أولاً: غسان كنفاني: الريادة والاكتشاف والتعريف:

أصدر كنفاني كتابين درس فيهما الأدب العربي في فلسطين، عنوان أولهما " أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 48-1966 "(1966)، وعنوان ثانيهما " الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 48-1968".(1968).
وأشــار كنفاني في مقدمة الأول إلى افتقار دراسته إلى وفرة المصادر وإلى السبب الذي حثه على دراسة أدب المقاومة مع أن التحرير لم يتم. وذهب إلى أنه أراد أن يطلع النازح الفلسـطيني خصوصاً والقارئ العربي عموماً على هذا الأدب الذي يتناول النازح بالذات ويخاطب فيه ما يخاطبه في عرب الأرض المحتلة. ورأى كنفاني أن هذا الأدب ظل مجهولاً، بالرغم من أنه يشكل الجانب الأكثر إشراقاً في كفاح الشعب المغلوب على أمره.( آ.ك، ط1998، ص 29 وما بعدها ).
ويأتي كنفاني على ذكر المنهج الذي سار عليه، ويفصح عن أنْ ليس ثمة منهج أكاديمي فيه، أي في الكتاب، ويرى أنه قد يكون مفتقراً إلى " البرود الموضوعي " الذي يعطي عادةً أي موضوع نقدي قدرته على الإقناع .. "، ويعزو سبب ذلك إلى أنه طرف من أطراف النزاع، وأن ظروف عرب الأرض المحتلة شاذة ونادرة. وعليه يظل يتذكر باستمرار الظروف الخاضعة التي استولدت هذا الأدب، ويعبر عن إيمانه الذي لا يتزعزع بقضية أدب المقاومة.
ويتشكل الكتاب من ثلاثة فصول، يتناول الأول أدب المقاومة بعد الكارثة، ويدرس الثاني البطل العربي في الرواية الصهيونية مقابل أدب المقاومة، فيما يقتصر الثالث على نماذج من شعر المقاومة العربي.
وقد لفت الفصل الثاني أنظار محمود درويش الذي كتب مقدمة للأعمال الكاملة من الدراسات، ورأى أن كنفاني في كتابته عن الأدب الصهيوني كان أيضاً كاشفاً ورائداً. ويفصح درويش عن السبب الذي جعله ينعت كنفاني بالريادة:
" وفي الوقت الذي كان يكشف فيه غسان كنفاني غطاء السر عما يكتبه كتاب الأرض المحتلة العرب، كان يدرس نقيض هذه الكتابة وإحدى مواد محاوراتها: الكتابة الصهيونية ودورها في تشكيل الوعي والكيان الصهيونيين. وبكلمات أخرى كان يدرس فاعلية الكتابة لدى العدو، فقدم بذلك أول دراسة عربية عن واحد من أخطر الموضوعات الصهيونية ".(أ. ك، ص22)
ولا يقصر كنفاني، في كتابه، مصطلح أدب المقاومة على الأدب الفصيح. إنه يرى في الشعر الشعبي شعراً مقاوماً، وقد ظل هذا الشعر " قلعة المقاومة التي لا تهدم " ( أ.ك، ص41). وقد تجاوب هذا الشعر مع الأوضاع والحركات العربية، مثل ثورة الجزائر ( أ. ك، ص43)، ولم يكف أبداً عن القيام بدوره في المقاومة ( أ. ك، ص45 ). وقد كان الميدان الحقيقي له في ساحات القرى والمهرجانات العنيفة، وتم نشره الحقيقي الواسع عن طريق الحفظ. ( أ. ك، ص58 ). ويثمن كنفاني أدب المقاومة، وحين يقارنه بأدب المنفى، ينحاز للأول، فقد كان إشراقاً ثورياً وأملاً يستثير الإعجاب، خلافاً لأدب المنفى الذي كان بكاءً ونواحاً ويأساً. وفوق هذا فإن أدب المقاومة كان يتأثر بسرعة مذهلة وبتكيف كامل مع الأحداث السياسية العربية، ويعتبرها إكمالاً لموضوعه وجزءاً من مهماته " ( انظر أ. ك، ص58 ).
وكنفاني الذي يقول إن لديه الكثير من الاعتراضات الفنية - إذا شاء أن يلجأ إلى برود الناقد الموضوعي – على بعض نصوص أدب المقاومة، إلا أنه يقر أن المرء وهو يقرأ بعض نماذج هذا الأدب لا يستطيع أن يمر عليه مرور الكرام. يأتي كنفاني مثلاً على حكاية ريفي فلسطيني تصادر أرضه، فيسخر هذا في المحكمة الإسرائيلية من الدولة، وتنشر حكاية هذا الريفي في الصحافة، فيجعل منها ناشرها وكاتبها قصة، وهنا يكتب كنفاني: " قد يكون لدينا الكثير من الاعتراضات الفنية – إذا شئنا أن نلجأ إلى برود الناقد – كي ننال من هذه الحكاية، ولكن أحداً لا يستطيع أن يمر بها مرور الكرام وينساها. فهي تعطي بإيجاز خارق، ورنة السخرية الشعبية الصامدة تفوح منها، صورةً كاملةً شديدة التأثير يندر أن يستطيع حيز مماثل إعطاءها، فما الذي يهم القارئ! ومن الذي سيهتم بالمقاييس الباردة والنظرية، في وقت تدخل فيه الحكاية، كقطعة من لحم، المعركة الراهنة " ( أ.ك، ص70).
ويعتمد كنفاني، في أثناء دراسة هذا الأدب، على ما هو خارج النص. إنه لا يدرس النصوص الشعرية وحدها، وإنما يضيئها بما يحيط بها، ويقر بذلك: " إن الذي لا يعرف حقيقة " وجهة النظر " الصهيونية بتفاصيلها داخل الأرض المحتلة يفوته كثيراً أن يدرك الأبعاد البارقة التي تلتمع بسرعة، ولكن بحدة حاسمة وبعمق في أدب المقاومة العربي... " ( أ. ك، ص82).
ويثمن كنفاني هذا الأدب، ويتعاطف معه تعاطفاً واضحاً، وهو الذي قرر ابتداءً، أنه لا يملك برودة الناقد أو حياده، ولنلحظ هذا الحكم الذي يفصح لنا كيف استقبل أدب المقاومة لحظة اكتشافه:
" إن أدب المقاومة العربي في الأرض المحتلة يقدم لتواريخ الأدب المقاوم في العالم نموذجاً متقدماً في الحقيقة وعلامة جديدة نادراً ما استطاعت آداب المقاومة المعروفة في العصور الحديثة أن تحقق ما يوازيها في المستوى مقارنة بمهماتها الصعبة وشديدة التعقيد وظروفه التي لا تشابه بين ما لدينا من الأمثلة المعاصرة إلا ظروف المواطنين السود تحت حكم دولة جنوب إفريقيا العنصرية، بل تفوقها قسوة ووحشية .. " ( أ. ك، ص85 ).
في كتابه الثاني (1968) يكتب كنفاني مقدمة يأتي فيها على مفهوم المقاومة. وتعني المفردة له، بمعناها الواسع، المقاومة على صعيد الرفض، وعلى صعيد التمسك الصعب بالجذور والمواقف. ويرى أن المقاومة السياسية والثقافية هما الأرض الخصبة للمقاومة المسلحة، ويقر بأن " الشكل الثقافي في المقاومة يطرح أهمية قصوى ليست أبداً أقل قيمة من المقاومة المسلحة ذاتها " ( أ. ك، ص203 )، وهكذا ينظر إلى المثقفين العرب في المناطق المحتلة في العام 1948 على أنهم قدموا، من خلال أقسى الظروف، نموذجاً تاريخياً للثقافة المقاومة " ( أ.ك، ص204 ).
ونجده ينظر إلى أدبهم على أنه لم يكن ظاهرة طارئة على الحياة الثقافية الفلسطينية. إنه أدب له جذور في أشعار طوقان وأبي سلمى وعبد الرحيم محمود ( أ. ك، ص205 ).
ويذهب كنفاني، في هذا الكتاب، إلى ما ذهب إليه في كتابه الأول، فيما يخص المصادر والمراجع التي كان الحصول عليها صعباً، ولا ينكر أن دراسته هذه مكملة للدراسة السابقة، ويرى أنها تميل باطراد نحو الصيغة الوثائقية أكثر مما حرصت على الصيغة التحليلية " ( أ. ك، ص 206 )، فما يهمها – أي الدراسة: " أنها تحاول تقديم وثيقة أخرى للأدب الفلسطيني المقاوم بعد الوثيقة الأولى التي جاءت قبل ثلاث سنوات في كتاب " أدب المقاومة في فلسطين المحتلة "، فإذا حققت ذلك، فإنها لا تطمح إلى شيء آخر " ( أ. ك، ص 206 ).
ويفرد كنفاني في هذا الكتاب فصلاً للكتابة عن الوضع الثقافي لعرب فلسطين المحتلة يتشكل من حوالي أربعين صفحة، فيما يدرس في الثاني أدب المقاومة بأبعاده ومواقفه، ويخصص الفصل الثالث لنماذج من الشعر والأقصوصة والمسرحية. وعلى الرغم من أن الكتاب صدر في العام 1968، إلا أنه لم يدرج نماذج من أشعار فدوى طوقان التي غدت، إثر الهزيمة، جزءاً من شعراء المقاومة في فلسطين، ولعل كنفاني لم يقرأ لها، بعد، نماذج مما كتبت، إذا كانت، خلال عام، كتبت شيئاً ما.
ولعل فيما كتبه كنفاني في الفصل الثاني عن أبعاد أدب المقاومة ما سيشكل نواة يعتمد عليها دارسون آخرون، مثل غالي شكري وحسني محمود، تماماً كما أن ما كتبه عن شعر المقاومة الشعبي يشكل نقطة ارتكاز للدارسيْن المذكوريْن، إذ توسعا في ملاحظات كنفاني وأفردا فيما كتبا، صفحات عديدة للأدب الشعبي. وهذا ما سأقف أمامه، وأنا آتي على ما كتبا. وعموماً يجدر أن نقر أن لكنفاني فضل الريادة وفضل التعريف، وأن ما كتبه شكل خطوة مهمة في بابه.

ثانياً:  يوسف الخطيب: محاكمة النصوص سياسياً

        أصدر الشاعر الفلسطيني يوسف الخطيب " ديوان الوطن المحتل " (1968) وكتب له مقدمة وصدره بدراسة طويلة تقارب الثمانين صفحة. وقد طالب، في المقدمة، نقاد العالم أن يرفعوا أيديهم عن قصائدنا. وأشار فيها إلى أنه لا يستطيع أن يكون محايداً حين يدرس شعر الوطن المحتل، وطالب أن يدرس هذا الشعر دراسة مختلفة لا تعتمد فقط على الجزئيات – أي ألا يقف الناقد أمام جزئية هنا وجزئية هناك.
        وقد صدر دراسته بأسطر تفصح عن طريقته في الدراسة إذ كتب " مع أنه يمكن من خلال قراءة الأثر أن نستدل، بصفة عامة، على الملامح الرئيسة للبيئة التي عاشها أو تأثر بها، فإننا لا نستطيع أن نتعمق ذلك الأثر، أو أن نحياه جيداً، دون أن نضعه، قدر الإمكان، ضمن المؤثرات المختلفة، السياسية، والاجتماعية، والثقافية التي شكلته على صورته المعطاة .. ولعل قولاً كهذا أشد ما ينطبق على القصائد التي بين أيدينا الآن ... ) (ص27).
ويتابع:
        " ثم إن غرضاً محدوداً كهذا – أعني إضاءة قصائد هذه المجاميع ببعض المؤثرات العامة من حولها – يجب ألا نستفيض من خلاله في بحث أوضاع الأقلية العربية في الوطن المحتل باسـم " إسرائيل "، إلا بقدر تفاعل تلك الأوضاع مع الحركة الشعرية النامية هناك "  (27).
        هكذا يفصح الخطيب عن منهجه في التناول، وهو منهج لا يختلف كثيراً عن المنهج الذي سار عليه كنفاني. وحين يفرغ المرء من قراءة الدراسة المطولة لا يساوره شك في أن كاتبها سار على ما اختطه لنفسه، فقرأ النصوص ضمن المؤثرات التي أحاطت بها، وحاكم أصحابها أيضاً بناءً على مواقفهم السياسية واقترابهم أو ابتعادهم من مواقفه السياسية. لكأن الخطيب هنا ينحو منحى الناقد الماركسي الذي قنع بأن " يفسر الأدب بالنظر إلى أصوله الاجتماعية، أو أن يعلل نزعة الأديب بالنظر إلى موقعه في طبقة ما، أو أن يحكم على أثر أدبي أو على أديب حسب الميل الذي يظهره مؤيداً القضية السياسية أو الاقتصادية التي يؤثرها الناقد " ( ديفيد ديتش، ص573 ). حقاً إن الخطيب ذو نزعة قومية، لا ماركسية، إلا أنه فعل ما فعله الناقد الماركسي، ولربما لا يستغرب المرء وقوعه تحت تأثير النقد الماركسي، فقد أنهى مقدمته بالجملة التالية:
" يا نقاد العالم " ارفعوا أيديكم عن قصائدنا واقرأوا رأس المال (ص13).
وحين يتوقف الخطيب أمام قصيدتين لمحمود درويش، يختلف مع موقفه فيهما، نراه يختلف مع درويش سياسياً بالدرجة الأولى، فدرويش الذي تعاطف في قصيدته " كردستان " مع الأكراد، ووقف معهم في نضالهم، لا يروق للخطيب الذي له في المشـكلة رأي آخر، إذ لم يؤيد انفصال هؤلاء عن العرب. وهكذا نجده يقف أمام قصيدة " كردسـتان " ويحاكم مواقف درويش السياسية فيها. تماماً كما نجده يقف أمام قصيدة درويش " جندي يحلم بالزنابق البيضاء "، وفيها يصبّ الشاعر للجندي الخمر، حتى إذا ما شرب كأسه الرابع أخذ يبوح بما في أعماق نفسه، وهنا يتعاطف درويش مع هذا الجندي الذي علمته الصهيونية أن يقتل. ويرى الخطيب أن تعاطف درويش مع الجندي غير مبرر. هنا، وفي أماكن أخرى من دراسة الخطيب، نجده يحاكم الشعراء سياسياً. وحين يأتي على انتمائهم للحزب الشيوعي يبرر هذا الانتماء، على الرغم من اختلافه مع طروحات الحزب، ويرى أن هؤلاء الشعراء ساروا في الطريق الوحيد المتاح لهم، لا في الطريق الصحيح.
ويخرج المرء، بعد قراءة الدراسة، إلى أن الخطيب لم يدرس النصوص دراسة فنية، قدر ما أضاءها من خلال الكتابة عن المؤثرات التي أحاطت بها. ولم يكن ناقداً جمالياً، وإنما كان مؤرخاً وعالم اجتماع  ومبدئياً، وهذا ما يتطلبه النقد الاجتماعي من ممارسي النقد.
ومع أن الدراسة هذه لا ترمي إلى تتبع الدراسات تتبعاً تفصيلياً والوقوف أمام سلبياتها وإيجابياتها، أمام ما لها وما عليها، إلا أن المرء مثلاً قد لا يطمئن إلى أحكام معينة، وإلى تصنيفات ما، من ذلك مثلاً اعتبار الدارس الشاعر راشد حسين من الجيل الثاني لشعر المقاومة، علماً بأنه كتب الشعر قبل أن يكتبه درويش والقاسم، وأصدر أهم مجموعتين له، قبل أن يصدر هذان دواوينهما الأولى. وربما يعود هذا التصنيف إلى عدم وفرة المصادر والمراجع بين يدي الدارس، وإلى ندرتها أيضاً وهذا ما أشار إليه كنفاني في دراستيه.
ولا يستطيع المرء أن ينكر جهد الخطيب في تقديم هذا الشعر والتعريف به، وإضاءة كثير من جوانبه إضاءة لا يستغني عنها دارس شعر المقاومة. وتعد دراسته، ذات قيمة مهمة في تناول شعر المقاومة، تماماً كما يعد الديوان الذي أعده وأصدره مهما.
 
ثالثاً: رجاء النقاش: تشابه في المنهج ونزوع نحو التخصيص
        في كتابه " محمود درويش: شاعر الأرض المحتلة " ( ط1/1969، ط2/1971 وهي معدلة ) يتشابه رجاء النقاش الناقد المصري مع كنفاني والخطيب في المنهج، ويختلف في أن عنوان دراسته يقتصر على شاعر واحد هو محمود درويش، وإن درس فيها أيضاً شعراء آخرين كما سنرى.
        وهو يقر بأن أية دراسة لشعر الأرض المحتلة " يجب أن تمتد إلى التعرض لظروف الأرض المحتلة وشعبها العربي، .. ولعل خيرَ ما يصور محمود درويش، ذلك الشاعر المناضل والإنسان، في كلمات قصيرة وصادقة قولهُ:
          " مليون عصفور / على أغصان قلبي / يخلق اللحن المقاتل " (ص210). ولا يكتفي بذلك، إذ نجده يدرس الشاعر وحياته ومواقفه السياسية. ونجده يعقد فصلاً لدراسة الملامح الشخصية لدرويش: ولادته وطفولته وسجنه ودراسته وهجرته إلى القاهرة وثقافته وأشعاره وموضوعاتها ( انظر ص95).
وفوق هذا فقد عقد بعض الفصول ليكتب عن العرب في إسرائيل، مثل كنفاني والخطيب، وأتى على مجزرة كفر قاسم واستشهد بنصوص درويش والقاسم وزياد وراشد حسين التي كتبت فيها.( انظر ص13-ص52 ).
        وإذا كان كنفاني ذهب إلى أن شعر المقاومة في فلسطين المحتلة له جذوره قبل العام 1948، فإننا نجد النقاش يدرس الجذور هذه في فصل خاص تحت عنوان " شعراء وشهداء "، ويقف أمام إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وعبد الكريم الكرمي ( أبو سلمى )، ليبين صلة اللاحق بالسابق، أي درويش وجيله بطوقان وجيله.
        ونجد النقاش يذهب إلى ما هو أكثر من ذلك، ليتجاوز مضمون كتابه العنوان الذي اختاره، غير مرة، فكما درس شعراء ما قبل 1948، وأتى على شعراء آخرين من الأرض المحتلة ذاتها، نجده يأتي على أشعار يوسف الخطيب وفدوى طوقان، الأشعار التي كتبت في المنفى، بعد العام 1948. (ص73 وما بعدها ).
        ويجدر التوقف، ابتداءً، أمام بعض ما ورد في مقدمة الطبعة الأولى(1969)، إذ نقرأ أن النقاش لا يتعاطف مع شعر الأرض المحتلة " كونه شعر مقاومة " وإنما يرى فيه شعراً ناضجاً، كتبه شعراء موهوبون " ( ينظر، ص7/ط2). يكتب النقاش:
        " إن هناك حركة شعرية ناضجة ورائعة في داخل الأرض المحتلة، وأن الحكم بنضجها وروعتها من الناحية الفنية والفكرية ليس راجعاً إلى تعاطفنا السياسي أو النضالي مع هذه الحركة، بسبب ما يعانيه أصحابها من الشعراء الشبان في ظروف حياتهم الصعبة داخل أسوار إسرائيل .. إن هذا التعاطف حقيقة لا شك فيها، ولكن الحركة الشعرية الجديدة داخل الأرض المحتلة تتمتع بقيمة فنية على أكبر درجة من النضج والأصالة، بصرف النظر عن جميع الاعتبارات السياسية والعاطفية الأخرى. إن الشعراء الشبان البارزين في الأرض المحتلة هم شعراء موهوبون ". (ص7/ط2)
        إضاءة الظروف المحيطة بالشعر، والتعاطف مع الشعراء مع الاعتراف بموهبتهم، وربط تجاربهم الشعرية بتجارب الذين سبقوهم، بل وبالحركة الشعرية العربية، حيث يشير النقاش إلى تأثر درويش بشعراء عرب من مصر والعراق وسورية ولبنان، والإتيان على المواقف السياسية التي يتبناها هذا الشاعر أو ذاك، أشياء تكاد تكون مشتركة بين هؤلاء الدارسين الثلاثة الذين أنجزوا كتابتهم في الستينيات، فالنقاش مثل الخطيب يأتي على مواقف سياسية لدرويش ويضيئها مدافعاً عنها، ولعل أهم قضية هي قضية خروج الشاعر من الأرض المحتلة في العام 1970، وما جرّه هذا الخروج من جدل سياسي واسع، وقد توقف النقاش، في طبعة الكتاب الثانية (1971) أمام هذه القضية بالتفصيل، ولم يكتف بمناقشتها، وإنما أورد الوثائق الصادرة عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي بفصل درويش من الحزب.
        وما يلفت الانتباه في كتاب النقاش تفاعله مع بعض الآراء حول هذا الشعر الذي غمره الدارسون العرب بالعطف، والتفت إليه الناشرون وأعادوا طباعة ما صدر منه، ما يمكن أن يؤدي إلى شعور الشعراء بالزهو والغرور، وهذا ما التفت إليه محمود درويش في فترة مبكرة، إذ كتب مقالة عنوانها " أنقذونا من هذا الحب القاسي " ( الجديد، ع6، 1969، ص2-ص4، وانظر محمود درويش، شيء عن الوطن، بيروت، 1971، ص25 وما بعدها ). لقد التفت النقاش إلى هذه المقالة، وأفرد في الطبعة الثانية من كتابه فصلاً عنوانه " بدلاً من الحب القاسي " ( ص236-ص250) حاكم فيه نصوص درويش فنياً، وأبرز بعض الإشكالات الفنية مثل النزعة التقريرية، والأخطاء في الأوزان الشعرية، وأخطاء اللغة، وغموض بعض أشعار درويش الجديدة.
        لم يخرج النقاش في كتابه هذا عن طبيعة الدراسات التي أنجزت عن أدب المقاومة بخاصة، والأدب بعامة. الدراسات التي لم تكن تقرأ النصوص إلا بقراءة المؤثرات المحيطة بها. ولكن النقاش يفرد، لأول مرة في أثناء دراسة الأرض المحتلة، كتاباً خاصاً بشاعر، مع أنه، كما ذكرت، لم يغفل الإتيان على شعراء آخرين. ولم يدرس النقاش الشعر منفصلاً أيضاً عن الشاعر، وليس غريباً أن نقرأ السطر التالي: إن درويش ليس شاعراً كبيراً وحسب، وإنما هو مناضل كبير أيضاً " ( ينظر، ص210 ). ولعل كتاب النقاش هذا يعد اكتشافاً مبكراً لشاعرية محمود درويش ولموهبته، الشاعرية التي لم يحققها كونه كتب شعراً ملتزماً بقضايا شعبه، أو كونه كان يقيم في الأرض المحتلة. وسيكون كتاب النقاش فاتحة لعشرات الكتب والدراسات التي ستخص، في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، أشعار محمود درويش، ولن يكون هذا واحداً من مجموعة شعراء أو من الشعراء الإرشيف، كما يذهب عز الدين المناصرة في بعض كتاباته التي تناولت الدراسات التي تناولت شعر المقاومة ( انظر كتابه: هامش المتن العشري، 2002، ص39 وما بعدها )، وسيغدو شاعراً متميزاً، ذهب البعض إلى أنه الشاعر الأوحد ( الوحيد ) في الشعر الفلسطيني " وهذا أيضاً ما لم يرض المناصرة ( السابق، ص46 ) الذي اعترض على هذه الصيغة.
        والخلاصة أن النقاش تشابه مع الدارسين السابقين في المنهج، ولكنه اختلف في العنوان وفي التركيز على شاعر بعينه، وإن لم يغفل غيره.
 
رابعاً: غالي شكري: شعراء معارضة لا شعراء مقاومة:
        يتكون كتاب الناقد المصري غالي شكري " أدب المقاومة " (1970) من مدخل وثلاثة أقسام، يخصص الأول للبطولة في قصص المقاومة ورواياتها، والثاني للبطولة في المسرح، والثالث للبطولة في الشعر المصري والعربي والأمريكي. وتشكل الأقسام الثلاثة اثني عشر فصلاً، يأتي الناقد على شعر المقاومة الفلسطينية في الفصل الحادي عشر ( ص391-ص430 من ط1 )، ولا يجعل عنوانه " المقاومة الفلسطينية " بل " أبعاد البطولة في شعر المقاومة العربية، لأنه يدرس بعض قصائد الشاعر نزار قباني، ويقارن بين نزار وفدوى طوقان ومعين بسيسو.
        وفي المدخل يحدد مفهومه لمصطلح المقاومة، بعد أن يكتب أنه ليس هناك من عمل أدبي جاد في تاريخ الإنسان القديم والحديث، يمكنه أن يخلو من هذه السمة البارزة، لأن هذا العمل يفقد عنصراً خطيراً من مكونات وجوده إذا خلا – من أحد وجوهه - من فكرة الصراع بين الإنسان والكون " ( ينظر، ص7 ).
        ويرى شكري أن لأدب المقاومة وجهه الإنساني العام الذي لا يندرج في تصويره للصراع البشري تحت أية أطر قومية أو قوالب اجتماعية. ويذهب إلى أن الجانب الإيجابي الهام في هذا اللون من ألوان الأدب هو أنه من عوامل " التجمع " لا من عوامل " الفرقة ".
        وحين ينظر في الأدب العربي في القرن العشرين فإنه يعد أعمال توفيق الحكيم، ومنها " عودة الروح "، وأشعار بيرم التونســي، وأشعار الشعراء التموزيين، من أدب المقاومة. ( ينظر، ص10 و11 و12 ). ومثل كنفاني نجده يعد الأدب الشعبي أيضاً أدب مقاومة بما ينطوي عليه من بطولات جماعية وفردية مجهولة ومعلومة ضد الغزاة والمستبدين " (ص12)، ويرى أن الأدب العربي الفصيح شارك بنصيب موفور في أعمال المقاومة البطولية ضد الاستعمار "(ص13)، دون أن ينتقص من دور اللغة الشعبية.
        وحين يكتب شكري عن أبعاد أدب المقاومة يكتب عن أبعاد ثلاثة هي البعد الاجتماعي والبعد الإنساني والبعد القومي، متتبعاً خُطا غسان كنفاني في كتابه الثاني، حيث أشار الأخير إلى أربعة أبعاد هي الاجتماعي والوطني والقومي والإنساني.
        ويفرق شكري بين أدب مقاوم يكتب قبل المعركة وآخر يكتب في أثنائها أو بعدها. ثمة أدب يقاوم قبل حدوث المحنة يرتفع إلى مستوى النبوءة، وثمة أدب آخر يقاوم في أثناء المعركة وبعد الهزيمة، وثمة أدب يؤرخ للأزمة بعد انتهائها بوقت قصير أو طويل. وهو يرى أن الأوان آن للتمييز بين هذه الأنواع. ( ينظر ص13 ).
        على أن ما يهمنا هنا هو مفهوم شكري لمصطلح أدب المقاومة. إنه يرى أن أدب المقاومة لا يقتصر على الأدب الشعبي أو الأدب الوطني، لأن المقاومة أرحب من أن تنحصر في هذه الدائرة المغلقة أو تلك. ( ينظر، ص16).
        يقف شكري في الفصل الحادي عشر، وهو الفصل الذي يهم دراستنا أمام التسمية التي شاعت وأسبغها كنفاني وغيره على شعراء الأرض المحتلة، ولا يسمي شعرهم شعر مقاومة، ويرى فيه شعر معارضة ليس أكثر، دون أن ينتقص هذا من قيمته: " هذا الشعر الذي لا يغض من قيمته على الإطلاق أنه لا يتصل بمعنى المقاومة إلا من قبيل المجاز، ولكنه يتصل أعمق الاتصال وأوثقه بمعنى المعارضة " ( ص391 ). وربما هنا نتذكر ما كتبه يوسف الخطيب الذي رأى أن هؤلاء الشعراء اختاروا الطريق الوحيد المتاح أمامهم، لا الطريق الصحيح. فهل كانت جملة الخطيب هذه هي التي جعلت شكري يصف شعر المقاومة بأنه شعر معارضة.
        ويناقش شكري بعض قصائد نزار قباني مثل " هوامش على دفتر النكسة "، ويتوقف أمام سمة جلد الذات التي بدت فيها، وهكذا – والكلام لشكري – غاصت في قلب الإنسان العربي، لا في قلب العدو. " إنّ شعر نزار في الهزيمة يقع في الطرف المقابل لشعر المقاومة، فهو شعر تمزيق النفس والتغني بالأشكال العجيبة التي ترسمها الدماء النازفة " (ص407)
        وحين يدرس شعر المقاومة الفلسطينية يدرس فدوى طوقان ومعين بسيسو، ويرى أنهما يختلفان عن درويش وزملائه ( ينظر ص410 ).
        ويبدو رأي شكري في شعر فدوى، لدارسي شعرها، رأياً مختلفاً، بخاصة حين يتحدث عن جذور المقاومة في شعرها الذي كتبته قبل العام 1967:
        " إن ثمة حقائق أساسية في شعر فدوى طوقان تقودنا إلى وصفه – قبل الهزيمة وبعدها – بأنه شعر مقاومة " ( ص410 )، وهذه الحقائق ثلاثة:
        الأولى أنه يشكل تياراً رئيساً في إنتاجها، لا مجرد مناسبة من المناسبات، والثانية أن صورة البطولة في شعرها قبل حزيران العام 1967 هي الجذر الوجداني لصورة هذه البطولة في شعرها اللاحق للهزيمة، صورة الشهيد بلا ثمن هي، أمْ الشهيد الفادح الثمن. والثالثة التركيز على الوجه القومي للبطولة بغير إغفال لوجهها الاجتماعي. إنها – أي فدوى – " شاعرة " مقاومة " لا تتوقف عند حدود المعارضة، ولا تتردى في هاوية الاستسلام، وإنما هي في مرحلتها الجديدة " تواكب " المشهد الفدائي مواكبة تكاد تكون تفصيلية، لا من موقع الفلســطينية المنفية التي كانتها، وإنما من موقع الفلسطينية الجديدة في ظل الاحتلال ... " (ص410).
        وحين يدرس معين بسيسو يرى أن المقاومة تشكل الجوهر الشامل لهذا الشعر الذي قرر صاحبه، منذ البداية، أن يكون شاعر المقاومة على المستويين القومي والاجتماعي، وهكذا جاءت ثورته أشمل من ثورة زملائه في الوطن المحتل، وأعمق وأغنى من ثورة زملائه في المنفى " (ص418)، ولم تكن مصر التي قضى فيها زهرة شبابه وطناً ثانياً بل جزءاً لا ينفصل عن الوطن الواحد الكبير "(ص418).
        أما لماذا تشكل المقاومة الجوهر الشامل لهذا الشعر؟ " فذلك لأن الشعر والحياة قد توحدتا في شخص معين وفنه توحداً لا سبيل إلى فصم عراه " ( ص419))
        ويوضح شكري السبب الذي جعله يصف شعراء الأرض المحتلة بأنهم شعراء معارضة، ومعين بسيسو بأنه شاعر مقاومة " والمعارضة في أشد حالاتها عنفاً لا تعني المقاطعة، فضلاً عن المقاومة المسلحة، بل تعني الحوار المتعدد الأطراف " ( ص 428 ).
أما شاعر المقاومة فقد كان " المنفى " موقعه الذي اختاره أو اختير له. وهو لم يكن يمتلك في حقيقة الأمر إلاّ أن " يقاوم " فالمعارضة لا مكان لها في موقعه. وهو في جملته يعبر عن " البندقية " حتى من قبل أن تصبح واقعاً حقيقياً، ولا يعرف عن " الحوار " السياسي شيئاً ( ينظر، ص428 و 429 ).
        ولا شك أن غالي شكري، وهو الناقد الماركسي، يدرك أهمية الموقع في تحديد اتخاذ الموقف، وحين يقارن بين بسيسو وشعراء الأرض المحتلة، ويعتبر الأول شاعر مقاومة والأخيرين شعراء معارضة، يكتب:
        " وهم يعانون من أجل قيام هذا الحوار وتدعيمه وتطويره والحصول على ثمراته معاناة هائلة تبدأ من المصادرة الفكرية وتنتهي إلى المصادرة الجسدية، ولكن موقعهم يفرض عليهم هذا الأسلوب دون غيره من أساليب الصراع العربي الإسرائيلي، وهو أسلوب نضالي لا شك فيه يحرز من المكاسب السياسية ما يحمي جبهة القتال من انهيار ظهرها المعنوي في الداخل والخارج ". ( ص428 )
        ومع أن نقد شكري نقد أيديولوجي، كما رأينا، إلا أن تناوله لبعض نماذج من هذا الشعر لم يخل من توظيف مصطلحات أدبية نقدية فنية شاعت في زمنه مثل وحدة القصيدة العضوية والذاتية والصوت الواحد وتعدد الأصوات والشكل التقليدي للقصيدة، ولكن هذا يبقى قليلاً، ما يجعل من دراسته تسير في فلك الدراسات السابقة، وما يجعلها مختلفة يكمن في نزعه سمة المقاومة عن الشعر الفلسطيني داخل الأرض المحتلة، ووصفه بأنه شعر معارضة، وإلصاق سمة شعر المقاومة بشعر بسيسو، وفي تناول شكري لشعر الأخير وشعر فدوى طوقان توسيع لدائرة الشعر الذي درس تحت مصطلح " شعر المقاومة ".

خامسا: أدونيس: شعر احتجاج لا شعر مقاومة

لم يدرس أدونيس شعر الأرض المحتلة بخاصة وشعر الثورة الفلسطينية بعامة دراسة تتناول نماذج من هذا الشعر أو ذاك، لكي يضيئها ويعرّف بها، كما فعل كنفاني والخطيب والنقاش وشكري. ولكنه في كتابه "زمن الشعر" (ط1/1972/ ط2 1978) توقف أمام هذا الشعر ليبدي رأيه فيه، ومما قاله: "إنني لست واثقاً من أن في الأرض المحتلة شعر مقاومة- أي شعراً ثوريا" (ص103).
وهو رأي مغاير لآراء كثيرة سابقة. وينظر أدونيس إلى الشعر العربي في الأرض المحتلة على أنه رافد صغير في الشعر العربي المعاصر، بل رافد ثانوي، وهو امتداد لا بداية: امتداد لشعر التحرر الوطني الذي عرفه العرب طيلة النصف الماضي من القرن العشرين، وهو ليس شعرا ثوريا. (ينظر، ص104).
وليس الرأي السابق لأدونيس بمختلف عن رأي شكري في كتابه سابق الذكر. وكان شكري، كما لاحظنا، رأى في كتابات توفيق الحكيم وبيرم التونسي أدب مقاومة.
ووقف أدونيس موقفا مضاداً لآراء أخرى شاعت في زمنه، زمن كتابة كتابه- أي نهاية الستينات وبداية السبعينات- مجد أصحابها فيها شعر المقاومة، ومنها ما ورد في عدد مجلة الطريق الخاص بأدب المقاومة (1968). وأشار أدونيس إلى رأي رضوان الشهّال الذي رأى في أدب المقاومة "ظاهرة فريدة متميزة في الشعر العربي" (أدونيس، ص104) وأنه- أي أدب المقاومة" ارتفع بوثبة جدلية رائعة البهاء، إلى المستوى الثوري الحقيقي"، كما أشار أدونيس إلى رأي عبد الرحمن ياغي في قصيدة محمود درويش "جندي يحلم بالزنابق البيضاء" من ديوان "آخر الليل"، ولم يعجب أدونيس بما قاله ياغي عنها، حين نعتها الأخير بأنها قصيدة القصائد في ديوان الدواوين. (ص104).
ولا يرى أدونيس في شعر المقاومة شعرا ثوريا. إنه- والرأي لأدونيس- شعر محافظ، منطقي ومباشر، مشبع بروح المبالغة، يحاول أن يصنع الثورة بوسائل غير ثورية، ينطق بالقيم التقليدية التي تتبناها القوى المحافظة. ويرى أن شعراء الأرض المحتلة يستلهمون أحيانا "أحداثاً ماضية ذات بعد وإطار دينيين، وأحيانا يستلهمون الأنبياء أنفسهم، وأحيانا يعكسون فكرة الثأر. والثورة لا تقوم بإحياء الماضي أو استدعائه" (ص107)
 
اعتمادا على ما سبق يرى أدونيس أن النظر إلى شعر المقاومة على أنه شعر ثوري ليست نظرة تضعه في إطاره الحقيقي. وعليه "لا بد من نظرة تضعه في هذا الإطار. هذه النظرة هي التي تصف هذا الشعر بأنه شعر احتجاج ودفاع عن الحرية المغتصبة أو المضطهدة، وبأنه نوع من الهجوم الثقافي المضاد لثقافة الاحتلال". (ص108)
وعلى الرغم من هذا فإن أدونيس، شأنه شأن غالي شكري، لا يقلل من أهمية هذا الشعر التي تكمن في التالي:
1-   لا تتجلى فيه نزعة عنصرية ضد اليهودي كيهودي.
2-   لا تظهر فيه نزعة التفوق.
3-   بروز صلة الإنسان بأرضه، بشكل لم تظهر فيه في الشعر العربي كله.
4-   المواجهة وتغذية الرفض العربي لواقع إسرائيل الاستعماري وتقوية شعور التلاحم بين سكان الأرض المحتلة في إطار تقدمي. (ينظر، ص110)
وما من شك في أن أدونيس لا يقع، مثلما وقع عبد الرحمن ياغي، فريسة الإعجاب بهذا الشعر والتعاطف معه تعاطفا يعمي الأبصار، ليجعله يصدر أحكاما تذكرنا بأحكام الشعراء العرب القدامى حيث كانوا يعجبون ببيت شعر، فيعدونه أجمل بيت قالته العرب في الغزل أو في الهجاء أو في الرثاء. وحكم عبد الرحمن ياغي حول قصيدة درويش "جندي يحلم بالزنابق البيضاء"، وحول ديوانه "آخر الليل" لا يخرج عن إطار تلك الأحكام، على الرغم من أن ياغي ناقد يتبع المنهج الاجتماعي الماركسي في نقده.

سادسا: حسين مروة: أدب جماهيري ملتزم

يهدي حسين مروة كتابه "دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي" (ط1/ 1965/ ط2/ 1976/ ط3/ 1986) إلى زوجته التي أعانته على أن يكون شجاعا في قول الحقيقة، وأن يكون شيوعيا أيضا. ويقر بأنه في نقده يتبع المنهج الواقعي، ويخصص صفحات من كتابه يتحدث فيها عن أدب المقاومة. (ص 354- ص361/ط3).
ويشير مروة إلى الدراسات السابقة التي تناولت هذا الأدب، سواء التي صدرت في كتب خاصة أو تلك التي ظهرت في أعداد خاصة من المجلات العربية، مثل الطريق اللبنانية (كانون أول 1968) والآداب اللبنانية أيضا (نيسان 1968).
ويرى مروة أن ميزة أدب المقاومة تكمن في علاقته بالجماهير، وفي صدق تجربته حيث الممارسة الفعلية للمقاومة، وفي النظرية العلمية للثورة وامتلاك الشعراء النظرية. (ينظر ص357). ويرى أن طريق هذا الشعر هو "المعرفة وفعل المعرفة. وليست العلاقة العفوية بالجماهير ولا الممارسة العفوية بكافيتين في تبصير العمل الأدبي كيف الطريق إلى هذا التحرر" (ص357).
ويقيّم مروة الدراسات السابقة التي تناولت أدب المقاومة، ويرى أنها كانت أحادية الجانب لأنها لم تلتفت إلى البعد المعرفي. وقلة قليلة من هؤلاء الدارسين خرج عن هذه الأحادية، ومنهم غسان كنفاني الذي ربط بين المسألتين الاجتماعية والسياسية، وبين البعدين العربي والعالمي. ويتوقف أمام رأي رجاء النقاش الذي التفت إلى أثر الثقافة الاشتراكية في الجانب الإنساني من أدب هذا الفريق الطليعي، وكان نقاش، بذلك، أكثر صراحة. (ص360).
وحين يناقش مروة خصوصية هذا الأدب يرى أنها تنبع من أصول ثلاثة هي:
1.    أن صانعيه هم من أبناء الجماهير التي ربتهم وأعطتهم الجذور.
2.    أن أدبهم صادر من لحم القضية الفلسطينية، وأنه يعيش هذه القضية ويذوب فيها ويمارسها مواجهة يومية.
3.    أن الشعراء، في سبيل توثيق علاقتهم بالجماهير وبلحم القضية الفلسطينية تبصّروا بالمبادئ الماركسية التي- كما قال محمود درويش- أشعلتهم حماسة وأملا.
ويخلص مروة إلى أنّ "هذه الأصول الثلاثة: مجتمعة ومتكاملة، هي المرجع الأساسي في تفسير ظاهرة الأدب القادم إلينا، خلال الستينات، من أرض فلسطين المغتصبة، وهي- مجتمعة ومتكاملة- مصدر تلك النكهة الفنية الخاصة التي اجتذبت إلى هذا الأدب اهتمام العالم العربي وحبه ودهشته في آن معا". (ص361).
ثمة قراءة ماركسية إذن يقدمها مروة لتفسير الظاهرة، يبدي فيها إعجابه بهذا الأدب، وهو إعجاب نابع من تشابه الرؤى والأفكار بين الناقد والشعراء. وسيقدم لنا مروة، فيما بعد، قراءة لبعض مجموعات هذا الشعر، يتوقف فيها أمام مجموعة محمود درويش "أعراس" (1977). (حول هذا ينظر: مجلة الجديد، حيفا، إجازة مع محمود درويش، ع12، 1979. (ص27-33)

سابعا: نجاح العطار وحنا مينة: أدب حرب لا أدب ثورة

في كتابهما "أدب الحرب" (1976) تخصص العطار ومينة حيزا لدراسة أدب المقاومة الفلسطينية (ص219-ص259)، ويكتبان عن أدب المقاومة الحربي، ولا يدرسان الأدب الثوري. إنهما يميزان بين أدب الحرب وأدب الثورة، فالأول يكون ضد الخارج، والثاني يكون ضد الداخل. والأدب الفلسطيني تحول من تمرد ثوري إلى أدب حرب، لأن الثورة الفلسطينية تطورت من تمرد ثوري إلى حرب شعبية تحريرية.
ولا يفصل هذان بين أدب الداخل وأدب الخارج "فالأدب الموجّه ضد الاستعمار والصهيونية في كل مكان من الوطن العربي هو أدب مقاومة ضدهما" (ص220). وهذا الأدب لم ينبثق من العدم، وإن كان تحول نوعيا إلى أدب مقاومة، مع نشوء المقاومة ذاتها.
وأراد الدارسان أن يقصرا بحثهما على أدب المقاومة لمرحلة ما بعد 7 حزيران من العام 1967 حيث صار المقاوم وجود مقاومة، وصار الشعر المقاوم وجودا لأدب المقاومة. ويربط الدارسان، كما فعل من سبقهما، بين عبد الرحيم محمود وجيل زياد ودرويش والقاسم، إذ تطور الموروث الشعري إلى شعر مقاومة. ويرى العطار ومينة أن المقاومة ستكبر" ويكبر شعرها، وتشمل التسمية كل الأدب العربي الذي يقاوم الصهيونية وحليفتها الإمبريالية العالمية" (ص231)، ويقرّ هذان بدور كنفاني الذي يعود له الفضل في التسمية.
وتبدو لهجة الإعجاب والتمجيد واضحة على ما كتب الدارسان. ويستشهدان بنماذج شعرية لدرويش وزيّاد القاسم وجبران، ولا يأتيان على شعراء المنفى كمعين بسيسو، كما فعل شكري. وما يلاحظه المرء، فيما كتبا، أنهما ميزا بين أدب الداخل والخارج، ووقفا إلى جانب أدب الداخل، على الرغم من أنهما، في صدر دراستهما لم يفصلا بين الأدبين. يرى هذان في أدب الداخل "أنه استشرف الآفاق، ورأى المخاطر، وبث روح التضحية لمواجهتها، وأرهص للمقاومة قبل أن تكون" (ص226)، وذهبا إلى أنه "بينما كان الأديب العربي- وضمنه الأديب الفلسطيني في المنفى- ينشر شعر التحسر والعويل والحنين الممزوج بالانسحاق، كان الشاعر الفلسطيني في الطرف الآخر، يقف وراء متراسه، ويغني شعر المقاومة الصادر عن موقف باسل وشجاع" (ص247).
وذهبا إلى ما هو أبعد من ذلك، حين كتبا أن الشعر الثوري العربي السابق لشعر المقاومة اتصف بأحادية قرع الطبول" (ينظر، ص247)، خلافا لشعر الداخل، فالأشياء لا تناظر باللفظ، بل هي تحيا من الداخل، في الكلمة والفعل" (ص246).
ومع أن العطار ومينة يقرّان أنهما لا يدرسان الناحية الجمالية لشعر المقاومة، إذ ليس مجال كتابهما مجال الكلام على الناحية الجمالية إلا أنهما يريان "أن جمالية الفن، بكلمة جد مختصرة، تنبع من صدقه، وهذا الأدب صادق كله، في التناول والأداء والأشكال البسيطة والمركبة للصياغة، وفي عفوية طرق الموضوع وطرحه..". (ص256)
وما من شك في أن رأيهما يختلف عن رأي غالي شكري، ويقترب من رأي كنفاني والنقاش. ودراستهما، كما قالا في صدرها، "تقدم خطوطاً عامة للوحة هذا الأدب" (ص220)، وتقتصر هذه الخطوط، كما ذهبت آنفا، على أدب الداخل، مع أنهما ذهبا إلى أنهما لا يفصلان بين ما كتب من أدب المقاومة في الأرض المحتلة وخارجها" ما دامت الثورة الفلسطينية ذاتها هي جوهر الثورة العربية". (ص220).

ثامنا: عبد الرحمن ياغي وحسني محمود: التركيز على النصوص والتوسع في شرحها

ربما يبدو تناول ما تبقى من كتب، لا يختلف منهج أصحابها عن منهج كنفاني والخطيب والنقاش وشكري ومروة، ضربا من الإطالة والاستطراد.
في بداية الثمانينات صدر لعبد الرحمن ياغي كتاب عنوانه "شعراء الأرض المحتلة في الستينيات: دراسة في المضامين" (1982)، وهي دراسة غلب عليها طابع الإعجاب والتمجيد، وهذا ما لفت أنظار أدونيس كما لاحظنا آنفا. ويبدو أن ياغي نشر مراجعاته لدواوين زياد ودرويش والقاسم في فترة سابقة، ثم جمعها في كتاب في فترة متأخرة، فكتاب أدونيس صدرت طبعته الأولى، كما لاحظنا، في بداية السبعينات.
ويبدو أن إعجاب ياغي بشعراء الأرض المحتلة قد جعله يمجّد كل ما يصل إليه منها، دون أن يميز بين شاعر مناضل وآخر يعمل في مؤسسات الأحزاب الصهيونية وينطلق في رؤاه، في أثناء الكتابة، من منطلق الإعجاب باليهود. لقد أشار ياغي إلى الكاتب عطا الله منصور، وقصته "رياض يعود إلى بيته"، وهي فصل من رواية عنوانها "وبقيت سميرة" (1963). ولو قرأ ياغي الرواية كلها لما أسبغ الإعجاب على كاتبها، ولما مجّده واعتبره أديب مقاومة، فالرواية تنحاز إلى حياة اليهود وتشمئز من العادات والتقاليد العربية.
ولا تبدو دراسة ياغي أكثر من شرح للقصائد، عدا أنها مثقلة بالنماذج الشعرية التي لو تخلى عنها لما تأثرت الدراسة سلبا، فما يكتبه ليس سوى شرح لها. وربما أراد ياغي أن يطلع القارئ العربي على النصوص الشعرية، ظنا منه أنها غير متوفرة للقارئ العربي. لنقرأ الفقرة التالية من بداية الكتاب، ولنلحظ لغة الإعجاب والتمجيد:
"أدب الأرض المحتلة ظاهرة جديدة فذة، في حياة الأدب الفلسطيني بخاصة، والأدب العربي بعامة، فينبغي ألا يخضع للمنهج الذي أحاط بحياة الأدب الفلسطيني قبل النكبة.
أدب الأرض المحتلة ينبغي أن يتناول في مجموعه، وفي مضمونه على اختلاف الفنون والأطر التي تجلى فيها هذا المضمون، فهو يشكل ثروة. نعم ثروة لم يملك الأدب العربي مثلها في عصوره التي انقضت.
أدب الأرض المحتلة ثروة نورت في الأرض المحتلة تخط مصير وطن في درب الأحرار... إنها ثروة من لهب جبار....." (ص7).
وقد ذهب ياغي إلى أن ما كتبه هو هوامش على الدواوين، ولعله لم يخطئ.
وهنا يمكن التوقف أيضا أمام جهود حسني محمود، وهو مثل ياغي ومروة، أكاديمي ودارس.
لقد أنجز حسني محمود كتابا عنوانه "شعر المقاومة الفلسطينية: دوره وواقعه في عهد الانتداب" نشره في أوساط الثمانينات، وذكر أنه كتبه في مطالع السبعينات، ولم يستطع نشره في حينه لأسباب تعود إلى النشر نفسه.
وقد أتى في مقدمة الجزء الأول على مصطلح شعر المقاومة وتاريخه، وذكر أن هذا المصطلح ينضوي أحيانا، فيما نسميه الشعر الوطني، وأحيانا أخرى الشعر السياسي أو القومي" (ص6)، ولعله في تحديد معنى المصطلح لا يبتعد عما ذهب إليه غالي شكري (1970). ويذهب إلى أن شعر الحروب الصليبية شعر مقاومة، ومقاومة العرب للأتراك وما كتب فيها من شعر ضرب من المقاومة. ويفهم المقاومة، في كل حالاتها على أنها "تقوم على محور رفض سلبيات الأمر الواقع والإيمان التام بلا معقولية استمرار هذا الواقع وبوجوب تغييره. وتعددت مظاهرها وتشكلت في صور شتى ابتداءً من المقاطعة والإضراب إلى الثورة وحمل السلاح" (ص11), ولعلّه هنا يختلف عن شكري الذي عدّ شعراء الأرض المحتلة شعراء معارضة، وعن أدونيس الذي عدهم شعراء احتجاج.
ويذهب حسني محمود أيضا إلى ما ذهب إليه سابقوه حين رأى جذور شعر المقاومة تمتد إلى مطالع القرن العشرين، ولهذا نجده يخصص الجزء الأول من كتابه لدراسة الشعر في فلسطين قبيل الاحتلال البريطاني، ليدرس من ثم الشعراء إبان الانتداب، ما يذكرنا بكتاب عبد الرحمن ياغي "الأدب الفلسطيني الحديث من بداية النهضة حتى النكبة" (1963). وإذا كان الذين سبقوه، ممن درسوا شعر المقاومة، أتوا بإيجاز على شعر المقاومة قبل العام 1948، فإنه يتوسع في دراسته تحت العنوان الذي اختاره "شعر المقاومة الفلسطينية"، وإن كان توسعه تحت العنوان جعله يكرر كثيرا مما قرأناه في كتاب ياغي المذكور.
وليس المنهج الذي سار عليه الدارس بمختلف عن المنهج الذي سار عليه كنفاني والنقاش وآخرون ممن سبقوه. إنه يدرس الظروف المحيطة بالشعر، من سياسية واجتماعية، حتى لتبدو الدراسة في جانب كبير منها دراسة للجانبين المذكورين.
وعلى الرغم من العنوان الذي ظهر على غلاف الكتاب بأجزائه "شعر المقاومة الفلسطينية: دوره وواقعه في عهد الانتداب" نجد المؤلف يدرس في الأجزاء اللاحقة الشعر الفلسطيني في الأرض المحتلة بعد العام 1948، وشعر المنفى، والشعر الشعبي الفلسطيني. وعلى غرار كنفاني والخطيب والعطار ومينه نجده يفرد أكثر صفحات الجزء الرابع من كتابه لنماذج من الأدب الفلسطيني شعرا، منذ ما قبل العام 1948 حتى ما بعده. والغريب أنه لم يورد نماذج لفدوى طوقان أو معين بسيسو أو هارون هاشم رشيد.
وحين يدرس الأدب الشعبي في الجزء الرابع يشير إلى قلة المصادر في هذا الجانب، خلافا لما غدا عليه الحال بشأن الأدب الفصيح الذي أصبح منتشرا ومعروفا. وحين يقارن بين الشعر الشعبي والفصيح يخرج بملاحظات هي:
" إلى أي حد تشابه موقف شعر العامية مع موقف شعر الفصحى منذ بدايات الاحتلال" و "كيف جمع، مثله مثل زميله الشاعر الفصيح، بين مقاومته الانتداب البريطاني والأطماع الصهيونية معا، وقد لا نستطيع أن نقع على شاعر شعبي رحب في البداية بالاحتلال البريطاني، كما فعل اسكندر الخوري البيتجالي، ولكننا على العموم نرى هذا التشابه في الموقف من التحدي الجديد الذي فرض على الوطن" (ينظر ج4، ص28 و 29).
وعموما يمكن القول إن فضل كتاب حسني محمود يكمن في التوسع في الدراسة، ودراسة الشعر الشعبي، مع أن الدراسة في منهجها وخطوطها الرئيسة لم تختلف عما قرأه المرء في الدراسات السابقة لها.

تاسعا: صالح أبو إصبع: دراسة الشعر دراسة جمالية فنية

في كتابه "الحركة الشعرية في فلسطين المحتلة" (1979)، وهو في الأصل رسالة دكتوراة، لا يتبع صالح أبو إصبع المنهج الذي سارت عليه أغلب الدراسات السابقة، ودراسات أخرى لم أعالجها، يأتي الباحث، في صدر كتابه عليها، وهي دراسة هارون هاشم رشيد "الشعر المقاتل في الأرض المحتلة" (د.ت)، ودراسة عبد الرحمن الكيالي "الشعر الفلسطيني في نكبة فلسطين" (1975)، ودراسة عبد الرحمن ياغي "دراسات في شعر الأرض المحتلة" (1969)، ودراسة كامل السوافيري "الاتجاهات الفنية في الشعر الفلسطيني بين 1926-1960" (1973)، ودراسة عباس خضر "أدب المقاومة" (د.ت). كما يأتي على دراسة رجاء النقاش ويوسف الخطيب وغسان كنفاني.
إنه يدرس هذا الشعر دراسة جمالية فنية، ويرى أن دراسته هي الأولى من نوعها (ص7) لأنها درست الشعر من وجهة فنية ركزت على ظواهر الشعر الفنية أكثر من عنايتها بالمضمون. وما ذاك إلا إدراكا لأهمية هذا الشعر من الناحية الفنية بعيدا عن كل مشاعر التعاطف والحدب التي تنازع أي كاتب يتناول دراسة هذا الشعر. ويرى أبو إصبع أن دراسته نقد تحليلي لحركة شعرية عامة. (ينظر ص7).
 
ولا يغفل المؤلف أهمية المضمون، ولكنه يرى أنه درس من الآخرين. ويقر بأنه لا يدرس الشعر كله، وإنما معظمه وأهمه، وغالبا ما تدور اقتباساته من أسماء شعراء أكثر دورانا، وذلك لاعتبارات فنية محضة، ولقد آثر أهم النماذج فنيا، لكي تكون تمثيلا للظاهرة، وهذه النماذج مأخوذة من مجموعات درويش والقاسم وفدوى وزياد.
ويشير الدارس إلى المراجع التي أفاد منها، ويرى أنها المراجع ذات المستوى الأكاديمي الذي ينبع من اعتبارين:
1.    مستوى الكتابة ذاته وأسلوب معالجته.
2.    مستوى الكاتب أو المترجم، وأغلب هؤلاء من أساتذة الجامعات.
 
درس أبو إصبع الصورة الشعرية و بناء القصيدة والرمز وتوظيف التراث والموسيقى، كما درس الظواهر اللغوية والمعجم الشعري والاقتباس وظاهرة التكرار والغموض، وهكذا خالف، عن وعي وقصد، أكثر الدراسات.
في التمهيد الذي كتبه يتوقف الدارس أمام إعجاب النقاد بهذا الشعر، ابتداءً، ثم تضاؤل الاهتمام به، في فترة لاحقة، بخاصة حين خبت نار المقاومة (ينظر ص17)، وكان عليه هو أن يقف وقفة موضوعية " بعد أن كلّ العازفون عن العزف على نغماته" ولكي يتعرف "بموضوعية على الأبعاد الفنية للحركة الشعرية في فلسطين المحتلة"(ص17)، وقد قاده هذا إلى تساؤلات لها وجاهتها هي: ما هي جذور هذا الشعر، وما مدى علاقته بالحركة الشعرية في الوطن العربي، وفي ظل أي الظروف نمت هذه الحركة الشعرية، وما هي الظروف الخاصة التي جعلت لهذا الشعر مذاقه الخاص"، وتتم الإجابة عن هذه الأسئلة، بإيجاز، إجابة لا تتجاوز اثنتي عشرة صفحة.
ويتوقف أبو إصبع أمام ما كتبه محمود درويش لديوان أبي سلمى (1971) "من فلسطين، ريشتي"، وتحديدا أمام عبارة درويش مخاطبا أبا سلمى: "لقد كنت شاعر المقاومة قبل اكتشاف النقاد لهذا التعبير، وقبل تحوله إلى تعبير شائع". (أبو إصبع، ص19).
وبعد هذه الدراسة ستكثر الدراسات التي تتناول هذا الشعر من ناحية فنية، وستنجز رسائل علمية كثيرة حول هذا الشاعر أو ذاك، لدراسة ناحية فنية في شعره، من ذلك مثلا الكتب التالية:
1.    خالد حمد سنداوي "الصورة الشعرية عند فدوى طوقان" (1993).
2.    ناصر علي "بنية القصيدة في شعر محمود درويش" (2001).
3.    محمد بن أحمد وآخرون "البنية الإيقاعية في شعر عز الدين المناصرة" (1998).
ولعل الدراسات الأكاديمية التي أنجزت حول شعراء بعينهم أكثر من أن تحصى.
 
عز الدين المناصرة وقصيدة المقاومة
عادل الأسطة
        
        يتوقف الشاعر عز الدين المناصرة أمام شعر المقاومة في غير مقالة، ويبدي رأيه في النقد الذي تناول هذا الشعر. ومما يراه أن هذا النقد كان نقداً إعلامياً يركز على ما يحيط بالنص أكثر من تركيزه على النص نفسه. ولهذا لا يعجب المناصرة بهذا النقد، ويطالب النقاد بنقد نصيّ، علماً بأنه هو نفسه لم يختلف، اختلافاً كلياً وجذرياً عن النقاد الذين ينتقد دراساتهم. ففي كتابه الذي يدعو فيه إلى نقد نصيّ، وهو كتاب " هامش النص الشعري مقاربات نقدية في الشعر والشعراء والشعريات "(2002)، يدرج دراسات عديدة تناول فيها شعراء فلسطينيين وعرباً وعالميين وظف فيها ما يحيط بالنص الشعري، وقد اختار لها عنواناً هو: " خارج النص: الشاعر والسيرة الذاتية ".
        ولا يعجب المناصرة بالنقاد العرب، فتحت عنوان " إشكالية النقد العربي الحديث " ثمة عنوان فرعي آخر هو: " لا يقرأون النصوص وإنما يقرأون الشخوص "(العام 1998/ص295)، وتحت العنوانين يأتي على النقد العربي منذ الخمسينيات حتى أول الثمانينيات، ويخلص المناصرة إلى أنه نقد " كان يركز على كل ما هو خارج النص من علوم إنسانية ... "(ص296)، ولهذا لم يعد، شاعراً، يكترث للفكر النقدي، لأنه يفتقد للمصداقية. " أقول هذا بعد أن قرأتُ كل هذا النقد الفكري بكافة اتجاهاته. لقد وصلت إلى حافة اليأس من النقاد العرب، فالمعرفة لديهم مكرورة ومترجمة وليست لهم ". (ص299).
        وهو يرى أن نقد الشاعر للشعر هو أفضل أنواع النقد، لأن هناك أسراراً في النص الشعري لا تخفى على الشاعر، وعليه نجده يكتب بعض المقالات النقدية لنصوص بعض الشعراء،  لعلي سآتي عليها بعد قليل.
        وفي مقال آخر عنوانه " الحداثة الشعرية الفلسطينية: نقد انطباعي بلا معرفة ونقد بنيوي بلا ذوق "(1998/ص28-51 من الكتاب ) يرى أن القصيدة الفلسطينية التي كتبت يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع" قصيدة الأونروا، وقصيدة المقاومة، وقصيدة العولمة. وسآتي هنا على ما كتبه حول قصيدة المقاومة.
        يرفض المناصرة، ابتداءً، حصر هذا الشعر في شعر الشمال الفلسطيني ( درويش، القاسم، زياد، جبران )، كما أنه يرفض أيضاً إدراج الشعراء كلهم في كفة واحدة. ولسوف نلاحظ، بعد اشتهار درويش واختلافه عن زملائه والتفات النقاد إليه أكثر من التفاتهم إلى غيره، أن المناصرة سيرفض مراراً، وبإصرار، فكرة الشاعر الأوحد: " إن فكرة البحث عن الشاعر الأكبر الأوحد والشاعرين الأوحدين لشعب بكامله ينقص من قيمة ثقافة هذا الشعب، بدلاً من البحث عن العلاقات الأساسية "(ص298).
        وإذا كان يرفض حصر شعر المقاومة في شعر الشمال الفلسطيني، فإنه يرفض أيضاً أن يكون الشعر المقاوم هو الذي كتبه شعراء شيوعيون فقط: " والمسألة الأخرى هي الترويج والدعاية والاعتراف بالمقاومة الشعرية الشيوعية الوطنية، ونفي ذلك عن المقاومة الشعرية الوطنية الثورية، وهي مفارقة عجيبة أيضاً "(ص39).
        وربما لا يكون المناصرة أول من رفض هذا، فحين درس حسني محمود في كتابه " شعر المقاومة الفلسطينية " ( أربعة أجزاء في أوساط الثمانينيات صدرت، وكانت أنجزت في مطالع السبعينيات )، درس شعراء وطنيين ليسوا شيوعيين، منهم راشد حسين الذي خصّه بكتاب خاص، وحنا أبو حنا أيضاً. ولكن الغريب أن الشعراء الذين برزوا أكثر من غيرهم هم الذين انضووا تحت لواء الحزب الشيوعي (راكاح)، وإن كان قسم منهم، محمود درويش، بخاصة، قد تركوا الحزب وظل الاهتمام بهم يزداد ويزداد، ويدرسون على أنهم شعراء مقاومة، مع أنهم أيضاً لم يظلوا يقيمون في الشمال الفلسطيني.
        ويتوقف المناصرة توقفاً عابراً أمام أبرز الدراسات العربية التي تناولت شعراء المقاومة، ويبدي رأيه في منهج أصحابها: " بل وقع النقد في الخلط بين السيرة الذاتية للشاعر (المقاومة) وبين نصوص الشاعر ( درجة الشاعرية ) كما فعل غسان كنفاني ويوسف الخطيب ورجاء النقاش وغالي شكري وعبد الرحمن ياغي، وعومل شعر المقاومة التاريخي كحالة أيديولوجية سلباً وإيجاباً ( كنفاني والنقاش ساهما في الشرح الإنشائي للأيديولوجيا) و( الخطيب القومي وشكري اليساري حاورا الأيديولوجيا ولم يحاورا النصوص ".(ص40)
        وحتى تاريخ كتابة المقال (1998) يقول المناصرة إنه " لم يقرأ كتاباً نقدياً واحداً عن الشعر الفلسطيني الحديث يقرأ تعددية المنظور وتعددية الأشكال في الشعر الفلسطيني الحديث بقراءة النصوص فقط، من خلال العلامات الأساسية في الشعر بعيداً عن تقليد المقاومة الشعرية والعولمة بالتقليد، وبعيداً عن ظاهرة شعراء الأرشيف، أو أسلوب تعداد أسماء الشعراء السائدة في وسائل الإعلام، وبعيداً عن مصطلحات غير شعرية مثل شعراء الأرض المحتلة "(ص40).
        ومن المؤكد إن المرء ليسأل إن كان المناصرة قرأ الكتب كلها التي صدرت حتى تاريخ كتابة المقال، (1998).
        وربما ما يجدر الالتفات إليه هو أن النقاد الذين كتبوا كانوا أبناء زمانهم، وأظن أن هذا لا يخفى على الشاعر المناصرة نفسه، الذي كتب بعض مجموعاته الأولى في زمن شاعت فيه مصطلحات نقدية انطلق منها الشعراء والنقاد معاً. فشعراء المقاومة أنفسهم كتبوا شعراً خاطبوا فيه الجماهير وثمنوا هذا الشعر، ونقاد هؤلاء الشعراء، إلا أقلهم مثل أدونيس، كتبوا غالبا اتكاءً على مدارس ذاع حالها في الستينيات والسبعينات، مثل الواقعية والواقعية الاشتراكية وهي مدارس كانت تدرس النص وقائله ومحيطة. وثمة فارق زمني يزيد على العشرين عاماً، بين كتابة كنفاني والخطيب وشكري وآخرين، وكتابة المناصرة مقالته النقدية التي يتناول فيها شــعراء جدداً، وعنوان المقالة: " الجديد في الشــعر الفلسـطيني الجديد [ الثمانينيات ]: المطالع والخواتيم "(1989). لقد اعتمد المناصرة على دراسات نظرية أخذت تشيع في المغرب العربي، تهتم بالعناوين وتدرسها، دراسات تركز على النص ولا تلتفت إلى صاحبه، وهي دراسات لم تكن شاعت في الستينيات. وربما لم يسمع نقادٌ كثيرون بالبنيوية إلا في نهاية السبعينيات، حيث أصدر الناقد المصري صلاح فضل كتابه، وبداية الثمانينيات. وربما يكون لابتعاد المناصرة عن حدود / أرض المعارك، ومعايشته لأكاديميين مغاربة اهتموا بالنص ما جعله يطالب بقراءة النصوص لا أصحابها. علماً بأن ( ميخائيل نعيمة) في كتابه " الغربال " (1923) دعا إلى محاكمة النصوص لا أصحابها. ومع ذلك، كما ذكرت، فلم يمارس المناصرة النقد النصي فقط، لقد كتب مقالات عديدة تناول فيها الشاعر لا شعره، من ذلك ما كتبه عن عبد الرحيم محمود ومعين بسيسو وآخرين.
ولعل من تابع بعض الكتب النقدية التي تناولت شعراء المقاومة يلحظ أنها لم تقتصر أيضاً على شعراء الشمال الفلسطيني، فغالي شكري في كتابه " أدب المقاومة "(1970) حين درس أبعاد البطولة في شعر المقاومة (ص391-ص430) رأى في شعراء الجليل شعراء معارضة، ولهذا فقد درس أشعار فدوى طوقان التي قالتها بعد العام 1967، وأشعار معين بسيسو منذ دواوينه الأولى، ورأى في الأخير شاعر مقاومة مختلفاً. إن شعر المقاومة لدى معين تشكل المقاومة جوهره الشامل، ولا يأتي شعره تياراً ضمن بقية التيارات كما هو الحال في شعر فدوى، والسبب في ذلك " أن الشعر والحياة قد توحدتا في شخص معين توحداً لا سبيل إلى فصم عراه " ( شكري، 1970، ص419 ).
ولا أعرف رأي الشاعر المناصرة في كتاب الناقد شاكر النابلسي " مجنون التراب: دراسة في شعر وفكر محمود درويش "(1987).
لقد تشــكل الكتاب من عشــرة فصول، خمســة منها تدرس ما هو خارج النص، وخمسة أخرى تدرس النص، ومنهج النابلسي يغاير المنهج الذي سار عليه النقاد الذين سبقوه، وهم الذين ذكرهم المناصرة، علماً بأن هناك دارساً أكاديمياً هو الدكتور صالح أبو أصبع أنجز رسالة دكتوراة عنوانها " الحركة الشعرية في فلسطين المحتلة " وقد صدرت في العام(1979)، لم يدرس فيها مؤلفي النصوص، وإنما درس نصوصهم دراسة فنية جمالية، مستفيداً من الكتب النقدية التي نظرت لشكل القصيدة، بنيةً وصورة ورمزاً وإيقاعاً، ومطبقاً ما قرأه نظرياً على النصوص، بخاصة نصوص شعراء الأرض المحتلة. وقد أشار أبو إصبع إلى أن دراسته تختلف عن الدراسات التي سبقتها، مثل دراسة كنفاني والخطيب وشكري والنقاش، فالأخيرة كانت تدرس الموضوعات، وتربط ما بين النص وخارجه.
طبعاً علينا ألا ننسى أن كتاب المناصرة صدر في العام 2002، وضم مقالات ودراسات صدرت قبل العام 1998 تقريباً. وبعد هذا العام، وبعد العام 2002، صدرت دراسات عديدة التفت أصحابها إلى النصوص، ودرسوها وفق مناهج أخذت تشيع في النقد الأدبي في العالم العربي شيوعاً لافتاً. وإن كان هذا لا يعني أن هناك كتباً أنجزت قبل العام 1998 ركز أصحابها فيها على النصوص، منها مثلاً دراسة د. نعيم عرايدي " البناء المجسم: دراسة في طبيعة الشعر عند محمود درويش "(1991) ودراسة د. أحمد الزعبي " الشاعر الغاضب محمود درويش: دلالات اللغة وإشاراتها وإحالاتها "(1995).
وأرى أن ما كتبه المناصرة حول شعر المقاومة ونقده، وما قدمه من نقد تطبيقي، يحتاج إلى مساءلة. فهو يدعو إلى نقد نصي ويرفض النقد البنيوي متهماً إياه بأنه نقد بلا ذوق، فهل النقد النصي الذي يدعو إليه غير النقد النصي البنيوي. هل يقصد به التركيز على النصوص مع عدم إغفال الذائقة في أثناء تناولها؟ هل يطلب منا أن نقرأ النصوص، كما كان ميخائيل نعيمة يقرأها؟ ونقد هذا يركز على النص ولا يتناول صاحبه.
حين أنجزت كتابي " أدب المقاومة: من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات "(1997/1998) ذهب الشاعر أحمد دحبور إلى أنني أقرأ المغني قبل أن أقرأ الأغنية. وأنا واحد من القراء الذين تربوا على مناهج الستينيات، وإن لم أغفل دراسة المناهج الحديثة، وأنا أفيد منها، مثلي مثل شعراء المقاومة الذين كتبوا أشعارهم متأثرين بما كان شائعاً يومها، ومنهم المناصرة ودحبور، ويبدو أن وتيرة التغير في التعامل مع القصيدة لديهما ولدى آخرين أسرع مما هي لديّ ولدى نقاد آخرين، وربما هذا هو السبب في أن المناصرة لم يعد معجباً بالنقاد العرب وكتبهم. كأنما لسان حاله لسان درويش حين كتب: لا شيء يعجبني !!.

الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: